يوليو 15, 2024

سد النهضة وخيارات مصر بعد إعلان فشل المفاوضات الأخيرة مع إثيوبيا

على ضوء هذه المواقف الإثيوبية تكون المسارات التفاوضية قد انتهت، وتحتفظ مصر بحقها المكفول بموجِب المواثيق الدوليّة للدفاع عن أمنها المائي والقومي في حاله تعرضه للضرر”.

هكذا كان ردّ فعل وزارة الري المصرية بعد انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات بأديس أبابا في 19 ديسمبر/كانون الأول، والذي يتهم إثيوبيا صراحة ” باستغلال الغطاء التفاوضي لتكريس الأمر الواقع على الأرض، والتفاوض بغرض استخلاص صك موافقة من دولتَي المصب على التحكم الإثيوبي المطلق في النيل الأزرق بمعزل عن القانون الدولي”.

هذا الإقرار المصري جاء بعد 4 جولات من التفاوض، تم الاتفاق عليها في يوليو الماضي، تبدأ في أغسطس، وتنتهي في ديسمبر، للبحث في قواعد ملء وتشغيل السد.

ربما جاء الإعلان المصري- من وجهة نظرنا- متأخرًا بعض الشيء؛ لأنه مع بداية عملية التفاوض، أعلنت إثيوبيا في سبتمبر الماضي إتمام المرحلة الرابعة والكبرى حتى الآن من الملء الأول من السد، وتقدر بـ 24 مليار متر مكعب، ليصل حجم المياه المخزنة في بُحيرته إلى 41.5 مليار متر مكعب من إجمالي 74 مليار متر مكعب” إجمالي مخزون البحيرة ” والذي يفترض أن يكتمل خلال موسم الأمطار القادم “2024، أو بعد القادم 2025 ” على أقصى تقدير.

هذا الإعلان، ربما نسف المفاوضات من بدايتها، ويشبه إعلانات مماثلة سابقة، مثل: الإعلان عن الملء الأول في يوليو 2020، رغم وجود مفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي في وقتها. ومع ذلك اتبعت مصر – على ما يبدو- سياسة النفَس الطويل في التفاوض، حتى وصلت إلى طريق مسدود في المرحلة الثامنة من مفاوضات السد التي بدأت قبل 12 عامًا، وتم إعلان فشلها قبل ذلك 5 مرات؛ لأسباب تتعلق بالجانب الإثيوبي بالأساس.

ورغم سعي مصر لتدويل المفاوضات، مرة من خلال واشنطن في عهد ترامب 2020، ومرة من خلال محاولة تدخل مجلس الأمن، فإن أديس أبابا كانت حريصة على أن تكون المفاوضات، إما في إطار ثلاثي مع مصر والسودان، أو في إطار أفريقي، على اعتبار عدم فاعلية دور الاتحاد الأفريقي في التوصل لتسوية ” ملزمة ” لها.

لماذا فشلت جولة المفاوضات الأخيرة؟

وَفق الرواية المصرية فإن الفشل يرجع إلى ” مراوغة ” الجانب الإثيوبي، وتقديم تفسيرات مطّاطة لبعض المصطلحات، فضلًا عن الحديث عن قضايا لاحقة أو سابقة لأوانها، لا تتعلق بالمرحلة الحالية، ولكن تتعلق بما بعد بناء السد، مثل: قضايا التنمية، وبناء سدود أخرى، إضافة إلى التراجع عن بعض ما تم التوصل إليه في اتفاقات سابقة، خاصة ما يتعلق بالحصة التي يجب أن تحصل عليها مصر في موسم الجفاف، أو الجفاف الممتد، وبحيث يكون الضرر الواقع عليها في حده الأدنى.

في المقابل لم يتم الحديث عن القضايا الهامة، مثل: كيفية التنسيق بين الدول الثلاث في قواعد الملء والتشغيل في فترات الجفاف، والجفاف الممتد، وهل سيتم ملء بحيرة السد أم لا، خصمًا من حصة مصر والسودان، أم سيكون هناك توزيع متوازن “عادل” للمياه بين سدود الدول الثلاث؟.

أما الرواية الإثيوبية، فترى عكس ذلك، بل اعتمدت إثيوبيا نهج التصعيد الخطابي أيضًا، من خلال بيان صادر عن الخارجية يرفض بداية ما جاء في البيان المصري، ثم يحمّل الأخيرة مسؤولية فشل المفاوضات، من خلال محافظة مصر على ” عقلية الحقبة الاستعمارية، وإقامة الحواجز أمام الجهود الرامية لحدوث التقارب”، بين الدول الثلاث.

إشكالية الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل

يؤدي الانفراد الإثيوبي بإعلان مراحل الملء المنفرد الأربع السابقة، دون تنسيق مسبق مع دولتَي المصب إلى حدوث ضرر، خاصة لدى مصر، حتى في حالة الفيضان العالي، أو المتوسط.

إذ إنّ غياب المعلومات، المسبقة لديها، يجعلها دائمًا تحافظ على المياه المخزنة في بُحيرة السد العالي، وبالتالي عدم ضخها للمزارعين العاملين في مجال الزراعات التي تحتاج إلى مياه كثيفة، مثل؛ الأرز، ومن ثم حرمان ملايين المزارعين من زراعة أراضيهم، وعندما يأتي موسم الفيضان مرتفعًا، تضطر مصر إلى تصريف جانب كبير من مياه بحيرة السد إلى مفيض توشكى، دون استفادة منها؛ لتوفير حيز في البحيرة لاستقبال مياه الفيضان الجديد.

لذا، دائمًا، ما تطالب مصر بضرورة التنسيق مع إثيوبيا في مجال توفير المعلومات خلال الملء الأول، ثم عند بدء عملية الملء المتكرر وتشغيل السد بعدها، وهو ما ذهبت إليه المادة 5 من اتفاق إعلان مبادئ الخرطوم “مارس 2015 “، التي نصت على اتفاق الدول الثلاث على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي للسد، والتي يجوز لمالك السد “إثيوبيا ” ضبطها من وقت لآخر، مع إخطار دولتَي المصب بأي ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية التشغيل. ولضمان استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة مع خزانات دولتَي المصب، ستنشئ الدول الثلاث- من خلال الوزارات المعنية بالمياه- آلية تنسيقية مناسبة فيما بينها.

لكن دائمًا ما تتهم مصر، إثيوبيا بتعمد إخفاء المعلومات عنها، مما يؤثر على سياسة الري والزراعة المصرية، التي تبنى على تخمينات تضر المصريين حتى في سنوات الفيضان، والفيضان المتوسط.

ما هي خيارات مصر؟

بصفة عامة، هناك ثلاث آليات رئيسية في عملية تسوية لنزاع” قانوني” تنطبق أيضًا على حالة سد النهضة، هي:

الآلية التفاوضية: وقد جرّبتها مصر طيلة 12 عامًا، من خلال 8 مراحل تفاوضية، فشلت فيها المفاوضات 5 مرات، وثبَت لمصر- باليقين القاطع- فشلها في المرة الأخيرة. وبالتالي قد تكون العودة لعملية التفاوض صعبة، لكنها تظل واردة في ظل صعوبة الآليتين الأخريَين.

الآلية القانونية:

من خلال اللجوء إلى التحكيم، وهو محتمل بشرط موافقة أطراف النزاع عليه: ” مصر، والسودان، وإثيوبيا”، أو وجود نص ملزم في الاتفاق يحيل الخلاف للتحكيم: “محكمة العدل الدولية “، أو القضاء الدولي، ” محكمة خاصة”.

لكن إثيوبيا حرصت في البند العاشر من اتفاق إعلان مبادئ الخرطوم والمعروف بالبند x” “، على أن يكون طلب وساطة طرف خارجي، أو حتى اللجوء إلى وسائل قانونية، من اختصاص رؤساء دول وحكومات البلدان الثلاثة، وأن يتم ذلك بالإجماع؛ ومن ثم فهي ترفض دائمًا اللجوء إلى فكرة التحكيم الدولي، ما دفع مصر إلى محاولة تفادي هذا البند في الاتفاقات المزمع عقدُها لتقنين عملية الملء والتشغيل، لكن إثيوبيا ما زالت ترفض ذلك حتى في الاتفاقية المزمعة أيضًا.

الآلية العسكرية:

وهي المتمثلة في توجيه ضربة عسكرية مصرية “جوية ” للسد.

وهذه الآلية مستبعدة- من وجهة نظرنا – لاعتبارات عدة؛ منها البعد الجغرافي والطبيعة الدولية للسد، من حيث الدول والشركات المساهمة في بنائه، وعدم قدرة الطائرات المصرية المتاحة حاليًا ” إف 16 الأميركية – رافال الفرنسية “، على القيام بذلك.

فضلًا عن قرب امتلاء بحيرة السد، ومن ثم فإنّ هذه الضربة ستغرق العديد من المدن السودانية، وستكون لها آثار كارثية على السودان، وعلى مصر أيضًا. ومما يؤكد استبعاد هذا السيناريو تصريحات “السيسي” عندما طالب في يونيو 2020، وسائل الإعلام بعدم الحديث عن عمل عسكري ضد إثيوبيا، مؤكدًا أن مصر تخوض “معركة تفاوضية ستطول”.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستفكّر مصر مرة أخرى في الخيار العسكري في ظل المعطيات الأخيرة؟ وفي حالة كانت الإجابة لا. فما هي البدائل إذًا؟

يمكن القول بوجود خيارَين- من وجهة نظرنا- يمكن اللجوء إليهما:

الأول: الخيار الاقتصادي

ويتمثل في التلويح المصري بمقاطعة نقل الكهرباء المتوقعة من سد النهضة من خلال خطوط ضغط عالٍ تمر عبر أراضيها، لنقلها إلى أوروبا، والأردن، والسعودية وغيرها. حيث إن الاستهلاك المحلي الإثيوبي من كهرباء السد، لا يزيد على السدس، في حين أنّ النسبة الباقية ستخصص للتصدير.

وبما أن الطاقة الكهرومائية يصعب تخزينها، كما أن مصر ستكون المنفذ الأساسي لتصدير هذه الكهرباء للقارة الأوروبية، فإنها قد تقطع الطريق على إثيوبيا، لا سيما أن عدم فتح التوربينات لتوليد الكهرباء، قد يؤدي إلى تجميع المزيد من المياه أمام البحيرة، وعبورها الجزءَ الأعلى من السد، ويزداد الوضع خطورة في حالة الفيضان العالي الذي قد يؤدي إلى انهيار السد.

الثاني: الخيار القانوني

عبر إعلان مصر الانسحاب من اتّفاق إعلان مبادئ الخرطوم الذي لم يصادق عليه البرلمان حتى الآن. صحيح أنّ هذا الإجراء لن يغير من الأمر الواقع شيئًا، لكنه سيعيد الطعن في مشروعية السد، أو التأثير على تمويل المؤسسات الدولية للسدود الأخرى المستقبليّة.

31/12/2023م
المصدر/ https://www.aljazeera.net/opinions/2023/12/31/%D8%B3%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D9%88%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%81%D8%B4%D9%84
Written by admin
×