أغسطس 4, 2026

الاستاذ/ عبدالشكور عبدالله قوريري سهل: استراتيجية رجل القش (حين نهرب من معاركنا الحقيقية)

في الفكر والمنطق، يستخدم مصطلح “رجل القش” للإشارة إلى أسلوبب جدلي يقوم فيه الخصم بخلق قضية وهمية أو ثانوية، ثم مهاجمتها وكأنها هي القضية الأصلية، ثم الانتصار عليه بسهولة، بينما يترك المعركة الحقيقية دون مواجهة. هذا المفهوم، وإن كان في أصله جزءا من تقنيات الجدل، إلا أنه أصبح اليوم _للأسف – واقعا حيا في الحياة الصومالية، ليس فقط بين عامة الناس، بل حتى بين بعض الشيوخ والمثقفين والنخب السياسية، حيث تستبدل الأولويات الكبرى بالمعارك الصغيرة جانبية غير مهمة، ويُترك الجوهر لصالح الهامش.

عند النظر إلى واقع الصوماليين اليوم، نجد أنهم يواجهون أزمات عميقة ومتراكمة: فساد النخب السياسية التي حولت السلطة إلى مشروع شخصي أو قبلي، التدخلات الأجنبية التي تُقيد السيادة الوطنية وتُسهم في تقسيم الوطن، الفشل في بناء مؤسسات قوية تحفظ كرامة المواطن، إضافة إلى تفكك المجتمع تحت ضغط الانتماءات الضيقة. هذه هي المعارك الحقيقية التي تكاد تُحدد مصير الأمة، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي.

بدلا من ذلك، نجد قطاعات واسعة من المجتمع غارقة في قضايا سطحية تُصنَع وتُضخم على مواقع التواصل الاجتماعي: جدالات بين المشاهير، صراعات حول من الأحق بلقب “الأكثر متابعة”، حملات سخرية من شخصية عامة بسبب زلة لسان، أو نزاعات بين ناشطين لا تتجاوز حدود يوتيوب وفيسبوك وتيك توك. هذه الصراعات، مهما بدت مثيرة، لا تعالج أزمة التعليم والفقر، ولا توقف الفساد، ولا تدفع عجلة الاقتصاد.

والأمر الأكثر إيلامًا أن هذه الظاهرة لم تقتصر على العامة فقط، بل امتدت إلى بعض الشيوخ والمثقفين الذين يُفترض أن يكونوا طليعة الوعي وقادة الرأي. فبدلًا من توجيه خطابهم نحو كشف خطورة تفكيك الدولة، أو نقد فشل النظام الفيدرالي، أو المطالبة بالعدالة الاجتماعية، انشغل بعضهم بالرد على قضايا ثانوية، أو الدخول في جدالات عقيمة حول موضوعات شخصية لا ترقى إلى مستوى هموم الأمة.

وهكذا تحوّل الخطاب العام إلى مسرح لمعـارك وهمية، بينما تُركت الساحة مفتوحة أمام القوى الكبرى والنخب الفاسدة لتعبث بمصير الصوماليين دون مقاومة جادة أو وعي جمعي حقيقي.

أمثلة من الواقع الصومالي

بينما يتعرض الوطن للتفكك وتُنهب ثرواته في البر والبحر عبر اتفاقيات مشبوهة تُبرمها بعض حكومات الأقاليم دون علم الحكومة المركزية، ينشغل الناس بالجدل حول من تزوج من، أو من انفصل عن من.

وبينما يعجز البرلمان عن سنّ قوانين تحمي السيادة الوطنية، ينخرط بعض المثقفين في نقاشات طويلة حول أخطاء إملائية في منشورات على فيسبوك.

وبينما ينتشر الفساد الأخلاقي وتتعرض الهوية والقيم النبيلة للتآكل، ينقسم بعض الشيوخ والدعاة بين مؤيد للحكومة أو للمعارضة بدوافع مصلحية أو قبلية، بل إن بعضهم أصبح – بشكل مباشر أو غير مباشر – جزءًا من مشاريع تقسيم البلد.

وبينما يعاني فيه شباب الوطن من البطالة وانسداد الأفق، ويخاطر بعضهم بحياته في البحار هربًا نحو أوروبا، يستهلك الرأي العام وقته في السخرية من مقطع تافه انتشر على “تيك توك” أو “فيسبوك”.

وإن أخطر ما في “استراتيجية رجل القش” أنها تمنح وهم الانتصار، فحين يسقط الناس خصما وهميا على وسائل التواصل الاجتماعي، يشعرون وكأنهم أدوا واجبهم، بينما تتفاقم المعركة الحقيقية بعيدا عن أي مواجهة. وهذا ما يفسر استمرار الأزمات الصومالية لعقود طويلة، إذ تُهدر الطاقات في معارك جانبية بلا قيمة، بينما يرسخ الفساد جذوره، وتحكم التدخلات الأجنبية قبضتها.

وما يزيد الأمر سوءًا أن بعض المثقفين والعلماء، الذين يُفترض أن يكونوا مرشدين للناس وبوصلتهم الأخلاقية، وقعوا في الفخ ذاته؛ فاختاروا الاشتباك مع قضايا ثانوية، وأهملوا واجبهم في فضح الفساد السياسي، ومقاومة مشاريع التفكيك، والتنبيه إلى مخاطر التدخلات الأجنبية التي تقود البلاد نحو مزيد من الضعف والتبعية.

وفي الختام، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد الوعي بهذه الاستراتيجية، بل امتلاك الإرادة لكسرها. وعلى العلماء والمثقفين أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، وأن يوجّهوا خطابهم نحو قضايا الفساد، وخطورة تفكك الدولة، واستنزاف الثروات، بدلًا من الغرق في جدالات فارغة. كما أن على الشعب أن يدرك أن انشغاله بالهامش يُعد خدمة مباشرة لأعداء الداخل والخارج.

فالمعركة الحقيقية في الصومال ليست مع “مؤثر فلاني” أو”«موضوعٍ تافهٍ فلاني”، بل مع من يسرق الوطن، ويمنع قيام الدولة، ويبيع السيادة قطعةً قطعة. وإذا لم يستيقظ الصوماليون من وهم “رجل القش”، فإنهم قد يخسرون وطنهم وهم يضحكون على مشهدٍ ساخر في “تيك توك” أو “فيسبوك” ويوتيوب.

بقلم الاستاذ/ عبدالشكور عبدالله قوريري سهل:

استراتيجية رجل القش (حين نهرب من معاركنا الحقيقية)

التاريخ 4 اغسطس 2026م

التعليقات

Written by admin
×