ليست المشكلة أن الصومال لم يخرج من ماضيه؛ المشكلة أن حاضرها لا يزال يعيد إنتاج أزماته القديمة بأدوات جديدة. منذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، ظل الصومال عالقًا بين صورتين متناقضتين. صورة بلد انهارت مؤسساته، وانتشرت فيه الحرب، وصعدت فيه الجماعات المسلحة. وصورة أخرى لبلد يحاول، ببطء وكلفة عالية، إعادة بناء دولة اتحادية واقتصاد قابل للحياة ومؤسسات أمنية قادرة على استعادة زمام المبادرة. لكن الصومال اليوم ليس «دولة فاشلة» بالمعنى المطلق، وليس قصة نجاح أيضًا. إنه دولة تتقدم في بعض الملفات، وتتراجع في أخرى، وتدفع في كل خطوة ثمن تاريخ طويل من الانهيار السياسي والصراع الداخلي والتدخل الخارجي
الماضي لم ينتهِ
نشأت الجمهورية الصومالية عام 1960 من اتحاد إقليمين ترك الاستعمار وراءهما حدودًا لا تتطابق تمامًا مع المجال القومي للصوماليين. ومنذ البداية ارتبطت الدولة بأسئلة أكبر من مؤسساتها: من يمثل الأمة؟ أين تنتهي حدود الدولة؟ وكيف يمكن بناء مركز سياسي لا يتحول إلى مصدر خوف للأطراف؟جاء انقلاب 1969 ليؤسس نظامًا عسكريًا مركزيًا حاول بناء دولة قوية من أعلى. لكن الدولة المركزية لم تنجح في إنتاج توافق سياسي دائم. ومع تصاعد الصراعات والحروب والتمردات، انهار النظام عام 1991، ولم تسقط الحكومة وحدها؛ سقطت معها مؤسسات الجيش، والإدارة، والقضاء، والمالية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت ذاكرة الماضي جزءًا من السياسة اليومية. فكل محاولة لتقوية المركز تثير مخاوف من عودة المركزية القديمة، وكل مطالبة بتوسيع صلاحيات الولايات تثير مخاوف من تفكك الدولة. ولهذا فإن الفيدرالية الصومالية ليست مجرد نظام إداري؛ إنها تسوية تاريخية مع الخوف
دولة تُبنى وسط صراع على الدولة
المشكلة الكبرى أن الصومال يحاول بناء الدولة وقواعد السلطة في الوقت نفسه. الحكومة الفيدرالية والولايات لا تختلف فقط حول السياسات، بل حول سؤال جوهري: من يملك القرار النهائي؟ الأمن، والموارد، والانتخابات، والدستور، والعلاقات الخارجية؛ كلها ملفات تتحول سريعًا إلى صراع على النفوذ. وعندما يصبح الدستور نفسه موضوعًا للمنافسة السياسية، تصبح قواعد اللعبة جزءًا من اللعبة. أظهرت التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في مارس 2026 حجم هذا التوتر. فقد أثارت نقاشًا واسعًا حول ترتيبات السلطة والانتخابات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توافق سياسي أوسع لا إلى مزيد من الشكوك حول قواعد الانتقال السياسي. المشكلة ليست في تعديل الدستور. المشكلة في أن المؤسسات لم تصبح بعد قوية بما يكفي لجعل الخلاف السياسي قابلًا للإدارة. ولذلك لا يزال كل صراع على السلطة يحمل خطر التحول إلى أزمة شرعية.
الأمن انتصارات لا تكفي
لا تزال حركة الشباب أكبر تهديد مباشر للدولة الصومالية. لكنها لا تعيش على القوة العسكرية وحدها. إنها تستفيد من المناطق التي تغيب فيها الإدارة، ومن النزاعات المحلية، ومن ضعف العدالة والخدمات، ومن الفقر وانعدام الأمن. لهذا فإن استعادة منطقة عسكريًا لا تعني بالضرورة استعادة الدولة. فالمعركة لا تنتهي عندما ينسحب المسلحون؛ تبدأ مرحلة أصعب: من يدير المنطقة؟ من يوفر العدالة؟ من يحمي السكان؟ ومن يضمن ألا يعود الفراغ؟ تتحمل القوات الصومالية مسؤولية متزايدة، لكن الدعم الإقليمي والدولي لا يزال جزءًا أساسيًا من المعادلة الأمنية. وقد مدد مجلس الأمن مهمة الاتحاد الأفريقي الداعمة للاستقرار حتى نهاية السنة الحالية. هذا الدعم ضروري، لكنه يحمل معضلة واضحة: كلما طال الاعتماد على الخارج، تأخر اكتمال السيادة الأمنية. فالقوات الأجنبية تستطيع المساعدة في كسب المعارك، لكنها لا تستطيع بناء الشرعية المحلية بدل الدولة الصومالية
اقتصاد لديه فرص، لكنه لا يزال هشًا
الصومال ليس بلدًا بلا موارد. لديه ثروة حيوانية، وأراضٍ زراعية، وسواحل واسعة، وفرص في الصيد، والتجارة، والموانئ، والخدمات. وموقعه على خليج عدن والمحيط الهندي يمنحه أهمية استراتيجية لا تملكها دول كثيرة. لكن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى ثروة. الميناء يحتاج إلى أمن، والاستثمار يحتاج إلى قانون، والاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات، والموارد تحتاج إلى إدارة تمنع تحولها إلى سبب جديد للصراع. حقق الاقتصاد نموًا يقارب 4% في 2024، قبل أن يتباطأ إلى نحو 3% في 2025، وفق البنك الدولي. كما حصل الصومال في 2023 على إعفاء تاريخي من ديون بلغت قيمتها نحو 4.5 مليارات دولار، فانخفض الدين الخارجي من 64% من الناتج المحلي في 2018 إلى نحو 6% بنهاية 2023
لكن هذه الأرقام لا تعني أن الفقر انتهى أو أن الاقتصاد أصبح قويًا. فالبلاد لا تزال شديدة الحساسية للجفاف وتراجع المساعدات وارتفاع الأسعار. كما أن التحويلات المالية من الشتات تساعد ملايين الأسر على البقاء، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن اقتصاد ينتج الوظائف أو دولة توفر الحماية الاجتماعية.
مجتمع يصمد أكثر من مؤسساته
ربما كانت أقوى مفارقات الصومال أن المجتمع ظل يعمل عندما توقفت الدولة عن العمل. الأسرة، والعشيرة، ورجال الأعمال، والشتات، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني، كلها ساعدت في ملء فراغات الدولة. لكن قوة المجتمع لا تعني أن ضعف الدولة غير مهم. تستطيع الشبكات الاجتماعية أن تساعد أسرة على البقاء، لكنها لا تستطيع وحدها بناء جيش وطني أو قضاء موحد أو نظام ضريبي حديث. وتبقى العشيرة جزءًا من الواقع السياسي والاجتماعي. المشكلة لا تكمن في وجودها، بل في تحولها إلى بديل دائم للمؤسسات الوطنية. كما أن الشباب والنساء والشتات يمثلون موارد بشرية واقتصادية هائلة، لكن حضورهم في صناعة القرار لا يزال أقل من حجم تأثيرهم الحقيقي في المجتمع
المناخ لم يعد قضية بيئية
في الصومال، قد يبدأ الجفاف ككارثة طبيعية وينتهي بأزمة سياسية وأمنية. الجفاف يقتل المواشي، ويضرب الزراعة، ويدفع الناس إلى النزوح، ويزيد الضغط على المدن، ويشعل المنافسة على المياه والمراعي. والفيضانات تضيف موجة أخرى من النزوح والدمار. في 2026، حذرت الأمم المتحدة من أن ملايين الصوماليين يواجهون مستويات خطرة من انعدام الأمن الغذائي، مع تفاقم سوء تغذية الأطفال. كما قدرت خطة الاستجابة الإنسانية أن ملايين الأشخاص بحاجة إلى مساعدات. المشكلة أن الأزمات المناخية تتكرر بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على الاستجابة. وهنا يصبح المناخ عاملًا يضاعف كل نقاط الضعف الموجودة أصلًا: الفقر، والنزوح، والصراع، وضعف الخدمات
بلد صغير في جغرافيا كبرى
لا يمكن فهم الصومال من دون فهم موقعه. فهو يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويجاور إثيوبيا، ويرتبط بأمن البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. تريد إثيوبيا منفذًا بحريًا ومصالح استراتيجية. تريد دول إقليمية أخرى نفوذًا وموانئ وشراكات أمنية. وتريد القوى الدولية حماية الملاحة ومكافحة الإرهاب ومراقبة التنافس المتزايد في المنطقة. أما الصومال، فمشكلته أنه يمتلك موقعًا استراتيجيًا أكبر من قدرته المؤسسية الحالية على استثماره. يمكن لهذا الموقع أن يكون مصدر قوة تفاوضية هائلة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر ضغط إذا دخلت القوى الخارجية إلى البلاد عبر الانقسامات الداخلية. المساعدة الخارجية ليست المشكلة في حد ذاتها. الصومال يحتاج إلى الشراكات. المشكلة تبدأ عندما تصبح المساعدة بديلًا عن الدولة، أو عندما تتحول البلاد إلى ساحة تتنافس فيها القوى الخارجية على النفوذ أكثر مما تتنافس على بناء المؤسسات
ثلاثة طرق إلى المستقبل
يقف الصومال أمام ثلاث مسارات:
الأول: الإصلاح التدريجي ويبدأ بتسوية سياسية بين الحكومة الفيدرالية والولايات، واتفاق واضح على قواعد الانتخابات وتعزيز المؤسسات، وتحويل المكاسب الأمنية إلى إدارة وخدمات، واستثمار الفرصة التي أتاحها إعفاء الديون.
الثاني: الجمود تبقى الدولة قائمة، ويستمر الاقتصاد في النمو الهش، وتستمر المساعدات، بينما تتكرر الخلافات السياسية والأمنية. هذا السيناريو قد يبدو مستقرًا، لكنه يحول إدارة الأزمات إلى نظام دائم
الثالث: الانتكاس يحدث إذا تزامنت أزمة سياسية عميقة مع تراجع أمني، وتفاقم مناخي، وانخفاض في المساعدات، واتساع الجوع والنزوح
ماضي يفسر، لكنه لا يحكم
الصومال ليس أسير الماضي بالكامل. لكنه لم ينجح بعد في بناء مؤسسات تمنع الماضي من العودة. تاريخ الانقلاب والحرب والانهيار يفسر كثيرًا من الخوف السياسي الحالي. لكن الحاضر نفسه يضيف أزمات جديدة: المناخ، والاقتصاد، والتنافس الإقليمي، والاعتماد على الخارج. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل يستطيع الصومال أن ينسى ماضيه؟ بل هل يستطيع أن يتعلم منه؟ البلد الذي يملك مجتمعًا قادرًا على الصمود، وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وموارد اقتصادية واسعة، وفرصة لإعادة بناء مؤسساته، لا تنقصه الإمكانات وحدها. ما ينقصه هو تحويل هذه الإمكانات إلى دولة، والاختبار الحاسم لن يكون في عدد الاتفاقيات أو المؤتمرات أو العمليات العسكرية، بل في قدرة الصومال على بناء مؤسسات تجعل الخلاف السياسي أقل خطورة، والأمن أقل اعتمادًا على الخارج، والاقتصاد أقل هشاشة، والمواطنة أقوى من الولاءات الضيقة. وفي الختام الصومال لا يحتاج إلى ماضٍ جديد. يحتاج إلى دولة جديدة قادرة على منع الماضي من تكرار نفسه.
___________
الاستاذ/ محمد حسن عمر “برية”:
الصومال بين ماضٍ يراودها وحاضرٍ يرفض الاستقرار
