أغسطس 25, 2026

د. عمر الفاروق عبدالعزيز عثمان: الملابسات والتداعيات القانونية والسياسية لحكم المحكمة العليا الصومالية بإبطال نتائج الانتخابات المحلية والنيابية في غلمدغ

مقدمة: يمثل قرار المحكمة العليا الفيدرالية في الصومال الصادر في 24 أغسطس 2026 بإبطال نتائج انتخابات مجلس النواب والمجالس المحلية في ولاية غلمدغ، التي جرت في 30 يوليو 2026، تطورًا قانونيًا وسياسيًا بالغ الأهمية في مسار التحول الديمقراطي الصومالي. فالحكم لا يتعلق بمجرد خلاف حول توزيع المقاعد أو نتيجة انتخابية محددة، وإنما يتصل بقضايا أوسع، من بينها حدود الاختصاص القضائي في المنازعات الانتخابية، واستقلال المؤسسات الانتخابية، ونزاهة الإرادة الشعبية، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، ومستقبل نظام الانتخاب المباشر القائم على مبدأ «شخص واحد،صوت واحد».

وقد قررت المحكمة، وفق ما أعلنته مصادر رسمية وإعلامية متطابقة، أن الانتخابات التي جرت في 30 يوليو لم تُدار وتُنفذ بما يتوافق مع الدستور وقوانين الانتخابات، وأن المخالفات التي شابت العملية أضرت بشفافية الانتخابات وحريتها وعدالتها ونزاهتها، وأثرت في نتائجها، ولذلك قضت بإبطال النتائج وأمرت المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود بتنظيم انتخابات جديدة وفق الدستور والقوانين ذات الصلة. كما قررت استمرار المؤسسات القائمة في أداء مهامها إلى حين انتخاب مؤسسات جديدة، منعًا لحدوث فراغ إداري أو مؤسسي.¹ (allAfrica.com⁠)

وتكتسب القضية أهمية خاصة لأن انتخابات غلمدغ كانت من أبرز التجارب الحديثة للانتقال من النموذج الانتخابي غير المباشر إلى الانتخاب المباشر. وقد أعلنت المفوضية، في 3 أغسطس، نتائج أظهرت تقدم حزب العدالة والتضامن (JSP) بحصوله على 63 مقعدًا في مجلس الولاية، يليه حزب توفيق بـ12 مقعدًا، ثم حزب سنعد بـ6 مقاعد، وحزب كرامة بـ5 مقاعد، وحزب رماس بمقعد واحد. كما أفادت المفوضية بأن 197,971 ناخبًا أدلوا بأصواتهم، من أصل نحو 247 ألف ناخب مسجل.² (SONNA⁠)

غير أن النتائج قوبلت باعتراضات من بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها حزب توفيق، الذي رفض النتائج وطعن في سلامة العملية الانتخابية، قبل أن ينتهي النزاع إلى المحكمة العليا. وقد رحب رئيس حزب توفيق، الشيخ محمد شاكر، بقرار المحكمة، معتبرًا أنه يصحح مسار العملية الانتخابية، ودعا إلى التعامل مع القرار بصورة سلمية.³ (Hiiraan⁠)

ومن ثم، فإن قراءة حكم المحكمة العليا تستدعي الجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى الشرعي والقانوني، والمستوى السياسي والمؤسسي، والمستوى الديمقراطي المتعلق بمستقبل الانتخاب المباشر في الصومال.

الملابسات القانونية والسياسية للحكم

أولًاالملابسات القانونية للحكم

1. سيادة الدستور والقانون

يستند النظام الانتخابي الصومالي، من حيث المبدأ، إلى مجموعة من القواعد الدستورية والتشريعية التي تنظم الحق في المشاركة السياسية، وآليات الانتخابات، واختصاصات المفوضية الانتخابية، وضمانات النزاهة والشفافية.

وتؤكد التشريعات الانتخابية المنشورة من قبل المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات أن العملية الانتخابية ينبغي أن تقوم على الحرية والعدالة والشفافية والحياد، وأن تكون خالية من التزوير والرشوة والتهديد والعنف والترهيب. كما تمنح المفوضية صلاحيات واسعة في تنظيم الانتخابات وإدارتها ومراقبتها وإعلان نتائجها، مع عدم المساس بالدور القضائي في الفصل في المنازعات الانتخابية.⁴ (NIEBC Somalia⁠)

وبناءً على ذلك، فإن القاعدة القانونية العامة هي أن شرعية النتيجة الانتخابية لا تنفصل عن شرعية الإجراءات التي أفضت إليها. فإذا ثبت قضائيًا أن المخالفات كانت جوهرية وأثرت في النتيجة، فإن حماية النتيجة لمجرد صدورها عن الجهة الانتخابية قد تتعارض مع مبدأ سيادة القانون.

وهذا هو جوهر القرار الأخير؛ فالمحكمة لم تتعامل مع المخالفات باعتبارها مجرد أخطاء شكلية، وإنما اعتبرتها، بحسب منطوق القرار المنشور، ذات أثر في نزاهة العملية ونتائجها.⁵ (Horseed Media – Somalia News⁠)

2. حماية الإرادة الشعبية

لا تعني الديمقراطية مجرد إجراء الاقتراع، وإنما تعني أن يكون الصوت الذي يدلي به المواطن حرًا وسريًا ومتساويًا وقادرًا على التأثير في النتيجة النهائية.

ومن هذه الزاوية، فإن سلامة الانتخابات تتطلب حماية مختلف مراحل العملية، ابتداءً من تسجيل الناخبين والترشح والحملة الانتخابية، مرورًا بالاقتراع والفرز وتجميع الأصوات، وانتهاءً بإعلان النتائج والنظر في الطعون.

وقد أوضحت المفوضية نفسها أن الانتخابات الحرة والعادلة تقوم على وجود قواعد واضحة، وسرية التصويت، وتكافؤ الفرص، وحياد الإدارة الانتخابية، والشفافية، وإمكانية مراقبة العملية من جانب الأحزاب والمراقبين.⁶ (NIEBC Somalia⁠)

وعليه، فإن إبطال نتيجة انتخابية لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة باعتباره انتصارًا لطرف سياسي على طرف آخر؛ فقد يكون، من الناحية القانونية، وسيلة لإعادة الانتخابات إلى مسار يمكن من خلاله التأكد من أن النتيجة الجديدة تعكس الإرادة الشعبية بصورة أكثر نزاهة.

3. الاختصاص القضائي وإشكالية المحكمة الدستورية

تثير القضية في المقابل سؤالًا دستوريًا مهمًا يتعلق بحدود اختصاص المحكمة العليا في المنازعات الانتخابية والدستورية.

فالدستور المؤقت ينص على وجود المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة النهائية في المسائل الدستورية، كما ينظم العلاقة بين المحاكم المختلفة في القضايا ذات الطبيعة الدستورية.⁷ (BJFS⁠)

وهنا يجب التمييز بين أمرين: الأول هو الطعن في إجراءات ونتائج انتخابية، والثاني هو الفصل في تفسير نصوص الدستور أو دستورية القوانين. فليس كل نزاع انتخابي بالضرورة نزاعًا دستوريًا، وإن كان قد يتضمن مسائل دستورية.

ومن ثم، فإن النقاش حول اختصاص المحكمة العليا ينبغي أن يُبنى على نصوص القانون ومنطوق الحكم وأسباب الاختصاص التي استندت إليها المحكمة، وليس على مجرد غياب المحكمة الدستورية أو وجود خلاف سياسي حول القرار.

4. التناسب بين المخالفة والجزاء

من أهم الأسئلة القانونية التي يثيرها الحكم: هل كانت المخالفات بالقدر الذي يبرر إبطال العملية الانتخابية كاملة، أم كان يمكن الاكتفاء بإعادة الاقتراع في المراكز أو الدوائر المتضررة؟

فالقاعدة العامة في المنازعات الانتخابية هي التناسب بين المخالفة والجزاء. فإذا كانت المخالفة محصورة في مركز أو مجموعة محدودة من المراكز، فقد يكون من الممكن تصحيحها بصورة جزئية. أما إذا كانت المخالفات ممتدة إلى مراحل أساسية من العملية بحيث يستحيل معها الوثوق بالنتيجة النهائية، فإن الإبطال الكامل يصبح أكثر قابلية للتبرير.

وفي حالة غلمدغ، خلصت المحكمة إلى أن المخالفات أثرت في النتيجة ولم تكن قابلة للمعالجة بمجرد تصحيح إداري محدود، وهو الأساس الذي بُني عليه إبطال النتائج وإعادة الانتخابات.⁸ (allAfrica.com⁠)

ثانيًا: البعد الشرعي للحكم

يمكن النظر إلى نزاهة الانتخابات من منظور إسلامي من خلال مجموعة من المبادئ العامة التي تؤكد الأمانة والعدل وتحريم الغش والتدليس ومنع الضرر.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

وتأسيسًا على هذه المبادئ، فإن الغش والتزوير وشراء الأصوات والتلاعب بإرادة الناخبين تتعارض مع مقاصد العدل والأمانة والشورى، إذا ثبت وقوعها بالبينة والطرق المعتبرة.

غير أنه يجب التمييز علميًا بين الحكم الشرعي على فعل الغش أو التزوير، وبين الحكم القضائي بإبطال انتخابات كاملة؛ فالثاني يحتاج إلى اختصاص قانوني وإجراءات قضائية وأدلة معتبرة تحدد مدى تأثير المخالفات في النتيجة.

وبذلك فإن البعد الشرعي لا يحل محل القانون والقضاء، وإنما يوفر إطارًا قيميًا وأخلاقيًا يؤكد ضرورة صيانة الأمانة والعدل وحماية حقوق الناخبين.

ثالثًا: الملابسات السياسية للحكم

جاء الحكم بعد تجربة انتخابية ذات دلالة سياسية كبيرة. فقد شاركت 16 جهة سياسية في الانتخابات، التي جرت في 11 مدينة وبلدة، وأعلنت المفوضية نتائج أظهرت تقدم حزب العدالة والتضامن بفارق كبير على بقية القوى المتنافسة.⁹ (SONNA⁠)

وقد جعلت هذه النتيجة الانتخابات ذات أهمية تتجاوز تشكيل المجالس المحلية ومجلس الولاية، لأنها كانت مرتبطة كذلك بإعادة تشكيل موازين القوى استعدادًا للمرحلة السياسية التالية في غلمدغ.

1. حزب توفيق: من الاعتراض السياسي إلى المسار القضائي

يُعد حزب توفيق الطرف السياسي الأبرز الذي استفاد مباشرة من قرار الإبطال من الناحية السياسية، لأنه كان من أبرز المعترضين على النتائج.

وتكمن أهمية موقفه في أنه نقل النزاع من مجرد رفض سياسي للنتائج إلى مسار قضائي انتهى إلى إبطال العملية الانتخابية. وقد رحب رئيس الحزب بالحكم، وهو ما يعكس انتقال الحزب من موقع المعترض على النتائج إلى موقع سياسي يستطيع الاستناد إلى حكم قضائي في الدعوة إلى إعادة العملية الانتخابية.¹⁰ (Hiiraan⁠)

لكن هذا المكسب لا يعني أن الحزب ضمن الفوز في الانتخابات المقبلة؛ فالحكم لم يمنحه مقاعد جديدة، وإنما ألغى النتائج السابقة وأعاد المنافسة إلى نقطة البداية.

2. المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود

تواجه المفوضية أكبر اختبار مؤسسي في هذه الأزمة؛ لأنها الجهة التي أدارت الانتخابات وأعلنت نتائجها، ثم جاءت المحكمة لتقرر بطلان العملية.

وتنص الأطر القانونية المنشورة للمفوضية على استقلالها عن السلطة التنفيذية والأحزاب السياسية، وعلى مسؤوليتها عن إدارة الانتخابات وتنظيمها وضمان نزاهتها وشفافيتها.¹¹ (NIEBC Somalia⁠)

ولذلك فإن إعادة الانتخابات ستضع المفوضية أمام مسؤولية مضاعفة تتمثل في معالجة أسباب فقدان الثقة، وتعزيز الشفافية، وضمان حضور ممثلي الأحزاب في مراحل الاقتراع والفرز والتجميع، وتوفير آلية واضحة للشكاوى والطعون.

3. الحكومة الفيدرالية الصومالية 

لا يمكن فصل التداعيات السياسية للحكم عن مشروع الحكومة الفيدرالية الرامي إلى توسيع نطاق الانتخابات المباشرة.

فالحكومة الفيدرالية أعلنت أن الانتقال إلى نظام «شخص واحد، صوت واحد» يمثل مرحلة جديدة في بناء نظام ديمقراطي قائم على الاقتراع العام، كما بدأت المفوضية أعمال تسجيل الناخبين في مناطق من غلمدغ استعدادًا للانتخابات المباشرة.¹² (Wasaaradda Warfaafinta, Dhaqanka & Dalxiiska⁠)

وعليه، فإن الحكم يمكن أن يُقرأ بطريقتين:

الأولى: أنه تصحيح مؤسسي يحمي مشروع الانتخاب المباشر من خلال إلزام المؤسسات الانتخابية باحترام القانون.

الثانية: أنه يضيف تحديًا سياسيًا جديدًا أمام الحكومة إذا تحولت إعادة الانتخابات إلى صراع بين الحكومة الفيدرالية والقوى السياسية المعارضة.

ولا توجد، في المصادر الموثوقة المتاحة، أدلة كافية تسمح بالجزم بأن الحكومة الفيدرالية أو الرئيس حسن شيخ محمود وجّه المحكمة لإصدار الحكم؛ ولذلك فإن نسبة القرار إلى تدخل مباشر من الرئيس تبقى فرضية سياسية غير مثبتة، كما لا يمكن استبعادها نهائيا لإظهار المؤسسة القضائية بأنها شفافة ومستقلة باتخاذ قراراتها دون تدخل سياسي من قبل سلطات الدولة.  

4. حزب العدالة والتضامن: الخاسر الانتخابي المباشر

كان حزب العدالة والتضامن أكبر الفائزين في النتائج التي أعلنتها المفوضية، بحصوله على 63 مقعدًا في مجلس الولاية، إضافة إلى فوزه بـ115 مقعدًا في المجالس المحلية وفق النتائج المنشورة.¹³ (SONNA⁠)

ومن ثم، فإن إلغاء النتائج حرمه من مكسب انتخابي كبير، وأعاد المنافسة إلى بدايتها.

وقد تتغير في الانتخابات الجديدة طبيعة الحملات والتحالفات، خاصة أن الأحزاب أصبحت أكثر وعيًا بمواطن الضعف في التجربة الأولى.

5. المحكمة العليا: بين حماية الشرعية ومخاطر التسييس

أصبح القضاء، بحكم هذا القرار، فاعلًا مؤثرًا في العملية السياسية، ليس بالضرورة لأنه انحاز إلى طرف معين، وإنما لأن قراره غيّر النتائج السياسية التي أفرزتها الانتخابات.

ومن هنا فإن مستقبل الثقة في الحكم سيتوقف على قدرة المحكمة على إقناع الرأي العام بأن قرارها قام على أساس قانوني واضح، وأن المعايير التي طبقتها يمكن تطبيقها على جميع الانتخابات والأطراف دون تمييز.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن استقلال القضاء لا يُقاس فقط بعدم خضوعه للسلطة التنفيذية، وإنما كذلك باتساق أحكامه ووضوح أسسها وحياد تطبيقها.

رابعًا: الفرضيات السياسية حول الجهات المؤثرة

1. فرضية التدخل السياسي الداخلي

قد يرى بعض المراقبين أن الحكم يمكن أن يكون مرتبطًا بالصراع السياسي حول مستقبل قيادة غلمدغ، خاصة أن نتائج الانتخابات كانت ستؤثر في موازين القوى التي تحدد شكل القيادة السياسية المقبلة.

2. فرضية تأثير الجهاز الأمني وقيادته

توجد في الخطاب السياسي الصومالي اتهامات متبادلة بشأن تأثير قيادة الأجهزة الأمنية في العملية السياسية. خاصة قائد جهاز الأمن والمخابرات السيد مهد محمد صلاد، الذي كان يهتم سابقا أن يصبح مرشح الحزب الحاكم في غلمدغ قبل أن يختار الحرب السيد ليبان احمد حسن مرشح الحزب في انتخابات رئاسة غلمدغ. ويوجد العلاقة بين قائد الجهاز وحزب توفيق -التي تذكر بعض المصادر- بأنه الرئيس الفعلي الخفي للحزب يسدل السكوك حول تأثير قيادة هذه المؤسسة بحكم المحكمة العليا لابطال انتخابات غلمدغ. ولا يعرف مدى صدقية هذه الفرضية. 

3. فرضية تأثير المعارضة السياسية

من الطبيعي أن ترى القوى المعارضة في إبطال الانتخابات فرصة لإعادة فتح المنافسة، إلا أن استفادة المعارضة من الحكم لا تعني أنها كانت وراء صدوره.ومن الغرابة فإن المعارضة السياسية الصومالية لم تحرك إزاء قرار حكم المحكمة العليا بإبطال انتخابات علمدغ ولو بينت شفاة رفضا أو تأييدا، ربما يعود ذلك لأسباب انتخابية وحفظ التوازنات السياسية.

4. فرضية تأثير بعض الولايات الفيدرالية

قد تحاول بعض الولايات استثمار الحكم سياسيًا في خلافاتها مع الحكومة الفيدرالية حول الانتخابات والنظام الفيدرالي، إلا أن ذلك لا يثبت مشاركتها في صناعة الحكم كما لا يمكن إبعاده،، وكل شيئ محتمل في السياسة الصومالية المتشابكة. 

5. فرضية تأثير صوماليلاند

من المعروف أن رئيس المحكمة العليا، القاضي باشا يوسف أحمد، سبق أن شغل مواقع قانونية ومهنية في صوماليلاند، من بينها العمل مستشارًا قانونيًا أول في المفوضية الانتخابية لصوماليلاند، كما عمل في مؤسسات قانونية وأكاديمية هناك.¹⁴ (IDLO⁠)

وأن الربط بين هذا الخلفية المهنية والإنتماء لهذه المنطقة وبين قرار إبطال انتخابات غلمدغ احتمال لا يمكن استبعاده. 

6. فرضية التدخل الخارجي

يمكن نظريًا أن تتأثر السياسة الانتخابية الصومالية بالمنافسات الإقليمية والدولية، بالنظر إلى موقع الصومال في القرن الأفريقي وتداخل المصالح الإقليمية والدولية فيه.

لذالك فالاتهامات المتعلقة بتدخل بعض الدول الاقليمية أو إلدولية في قرار المحكمة تحديدًا لا يمكن استبعادها كما يرى بعض المحللين والمراقبين في الشأن السياسي الصومالي. 

7. فرضية وجود خلاف بين الرئاسة ورئيس المحكمة العليا

هناك بعض المعلومات التي تشير إلى أن رئيس الجمهورية الصومالية كان يخطط لإقالة رئيس المحكمة العليا، وربما أصدر رئيس المحكمة الحكم باعتبار ذلك «ضربة استباقية» لحماية منصبه وليحصل نفسا سياسيا جديدا احتمال يمكن أنه أدى إلى هذه الخطوة. 

خامسًا: التداعيات السياسية والشرعية للحكم

1. إعادة فتح العملية السياسية في غلمدغ

أول أثر مباشر للحكم هو إعادة العملية الانتخابية إلى نقطة البداية.

فالانتخابات التي كانت قد أنتجت أغلبية واضحة لحزب العدالة والتضامن  JSP أصبحت، بموجب الحكم، بلا أثر قانوني، وأصبح على القوى السياسية خوض منافسة جديدة.

وهذا يعني أن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد إعادة تقنية للاقتراع، بل ستصبح منافسة سياسية جديدة يمكن أن تتغير فيها التحالفات والخطابات وموازين القوى.

2. إعادة اختبار نموذج «شخص واحد، صوت واحد»

تمثل انتخابات غلمدغ اختبارًا مهمًا لمستقبل الانتخابات المباشرة في الصومال.

ولا ينبغي تفسير إبطال انتخابات واحدة على أنه فشل لمبدأ «شخص واحد، صوت واحد» نفسه. فالفرق كبير بين فشل إدارة انتخابات معينة وبين فشل مبدأ الانتخاب المباشر.

بل يمكن القول إن الإلغاء، إذا كان قائمًا على أسباب قانونية صحيحة، قد يمثل محاولة لحماية النموذج الديمقراطي من خلال تصحيح مساره.

غير أن تكرار الإلغاءات والنزاعات قد يؤدي، في المقابل، إلى إضعاف ثقة المواطنين والأحزاب في النظام الانتخابي.

3. أزمة الثقة في الإدارة الانتخابية

سيكون نجاح الانتخابات الجديدة مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة المفوضية على استعادة ثقة القوى السياسية.

وهذا يتطلب، على الأقل، نشر إجراءات واضحة للفرز والتجميع، وضمان تمثيل الأحزاب في مراكز الاقتراع، وتعزيز الرقابة المستقلة، وتوضيح آليات الطعن، ونشر النتائج التفصيلية بصورة تسمح بالتحقق منها.

فالمشكلة الأساسية بعد حكم الإبطال ليست فقط: «من يفوز؟»، وإنما: هل يثق الجميع في الطريقة التي تم بها تحديد الفائز؟

4. تداعيات على العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات

قد يعيد الحكم فتح النقاش حول حدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية في الانتخابات الإقليمية.

فالانتقال إلى الانتخابات المباشرة يحتاج إلى تنسيق بين المركز والولايات، لكنه يحتاج كذلك إلى قواعد واضحة تمنع تضارب الاختصاصات.

ومن هنا ستبرز أسئلة أساسية:

  • من يضع قواعد الانتخابات؟
  • من يدير العملية؟
  • ما حدود صلاحيات المفوضية؟
  • ما دور حكومة الولاية؟
  • من يفصل في الطعون؟
  • وما الجهة النهائية التي تملك تقرير شرعية النتائج؟

وهي أسئلة ترتبط بجوهر بناء النظام الفيدرالي الصومالي.

5. تعزيز أو إضعاف شرعية الحكومة الفيدرالية

يمكن أن يحمل الحكم أثرًا مزدوجًا على الحكومة الفيدرالية.

فإذا جرت الانتخابات الجديدة بصورة شفافة وهادئة، فقد يُنظر إلى الحكم باعتباره آلية لتصحيح الأخطاء وتعزيز مشروع الانتخاب المباشر.

أما إذا تحولت إعادة الانتخابات إلى صراع سياسي جديد، فقد تستغل المعارضة الحكم للقول إن مشروع الانتخابات المباشرة لم يصل بعد إلى مرحلة التوافق الوطني والمؤسسي الكافي.

ومن ثم، فإن كيفية تنفيذ الحكم ستكون أهم من الحكم نفسه.

6. تكريس دور القضاء في الحياة السياسية

يمثل الحكم اختبارًا مهمًا لاستقلال القضاء الصومالي.

فمن ناحية، يمكن أن يؤدي القضاء دورًا إيجابيًا في حماية الانتخابات من المخالفات.

ومن ناحية أخرى، فإن كثرة اللجوء إلى القضاء لإعادة تشكيل النتائج السياسية قد تخلق خطرًا يتمثل في انتقال الصراع السياسي من صناديق الاقتراع إلى قاعات المحاكم.

ولهذا فإن المطلوب ليس إبعاد القضاء عن الانتخابات، وإنما ضمان أن يكون تدخله قائمًا على قانون واضح وأدلة ثابتة ومعايير متسقة.

7. استمرار المؤسسات لمنع الفراغ السياسي

يُعد قرار المحكمة بالإبقاء على المؤسسات القائمة حتى انتخاب مؤسسات جديدة من أهم الجوانب العملية للحكم.

فالقرار جمع بين مبدأين: تصحيح الشرعية الانتخابية، والحفاظ على استمرارية الدولة.

وقد أكدت المصادر التي نشرت منطوق الحكم أن المحكمة اتخذت هذا التدبير لتجنب الفراغ الإداري وتعطيل الخدمات العامة.¹⁵ (Horseed Media – Somalia News⁠)

وهذا يعكس إدراكًا قضائيًا للعلاقة بين الشرعية الانتخابية واستمرارية المؤسسات العامة.

8. احتمال تحول الحكم إلى سابقة وطنية

قد تكون هذه أهم التداعيات على المدى الطويل.

فإذا أصبح إبطال الانتخابات نتيجة لمخالفات جوهرية قاعدة يمكن تطبيقها بصورة متسقة، فسوف يؤدي ذلك إلى رفع مستوى الالتزام بالقوانين الانتخابية.

لكن إذا أصبحت الطعون وسيلة دائمة لإلغاء النتائج بسبب خلافات سياسية، فقد يؤدي ذلك إلى عدم استقرار النتائج الانتخابية.

وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للحكم ستتحدد من خلال المعيار الذي وضعه، ومدى اتساق تطبيق هذا المعيار على الانتخابات المقبلة.

سادسا: الخاتمة

يتضح من التحليل السابق أن حكم المحكمة العليا الصومالية بإبطال نتائج انتخابات غلمدغ لا يمثل نهاية الأزمة الانتخابية، وإنما ينقلها إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا؛ إذ انتقل الصراع من السؤال التقليدي: من فاز في الانتخابات؟ إلى أسئلة أعمق تتعلق بقواعد العملية الانتخابية، واستقلال المؤسسات، وحدود الاختصاص القضائي، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ومستقبل نظام «شخص واحد، صوت واحد».

ومن الناحية الشرعية، فإن حماية الانتخابات من الغش والتزوير والتدليس تتوافق مع مبادئ الأمانة والعدل والشورى، شريطة أن تستند إجراءات الإبطال إلى إثباتات قانونية وقضائية واضحة. أما من الناحية القانونية، فإن جوهر القضية يتمثل في مدى ثبوت المخالفات، ومدى تأثيرها في النتيجة، ومدى تناسب إبطال الانتخابات كاملة مع طبيعة تلك المخالفات.

أما سياسيًا، فقد حقق حزب توفيق مكسبًا مهمًا بإعادة فتح العملية الانتخابية، بينما خسر حزب العدالة والتضامن نتيجة كان قد تصدرها بفارق كبير، وأصبحت المفوضية أمام اختبار حقيقي لاستعادة ثقة الأحزاب والناخبين. كما أصبحت المحكمة العليا أمام مسؤولية إضافية تتمثل في المحافظة على صورتها كمؤسسة قضائية مستقلة ومحايدة.

وفي المقابل، ينبغي التعامل بحذر شديد مع الفرضيات التي تتحدث عن تدخل الرئيس حسن شيخ محمود، أو جهاز الأمن والمخابرات، أو المعارضة، أو بعض الولايات الفيدرالية، أو صوماليلاند، أو قوى خارجية في إصدار الحكم؛ إذ إن الاستفادة السياسية من القرار لا تعني بالضرورة التأثير في صدوره، كما أن وجود مصالح مشتركة لا يثبت وجود مؤامرة أو تدخل مباشر. ولذلك فإن المنهج العلمي يقتضي تصنيف هذه المسائل في خانة الفرضيات السياسية التي يمكن أو لا يمكن أن تتحقق

وفي المحصلة، فإن الانتخابات الجديدة في غلمدغ ستشكل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الديمقراطية الانتخابية في الصومال. فإذا جرت الانتخابات الجديدة في إطار قانوني شفاف، وبتوافق سياسي واسع، ورقابة فعالة، وآليات واضحة للطعون، فقد يتحول حكم الإبطال إلى فرصة لإصلاح العملية الانتخابية وتعزيز ثقة المواطنين بها.

أما إذا تكررت النزاعات والاتهامات والإلغاءات، فقد يتحول حكم غلمدغ إلى بداية لأزمة أوسع حول الشرعية الانتخابية والدستورية.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة الصومالية ليس مجرد إجراء انتخابات جديدة، وإنما بناء منظومة انتخابية تجعل نتائج الانتخابات قابلة للقبول؛ لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد مرات إجراء الانتخابات، وإنما بمدى ثقة المواطنين والأحزاب في أن أصواتهم قد عُدّت بصورة نزيهة، وأن القانون يحكم الجميع، وأن القضاء يقف على مسافة واحدة من المتنافسين.

قائمة الهوامش والمراجع

1. المحكمة العليا الفيدرالية في الصومال، قرار إبطال نتائج انتخابات مجلس النواب والمجالس المحلية في غلمدغ، 24 أغسطس 2026. وقد نقلت وكالة الأنباء الوطنية الصومالية مضمون الحكم، بما في ذلك إبطال النتائج، وإجراء انتخابات جديدة، واستمرار المؤسسات القائمة إلى حين انتخاب مؤسسات جديدة. (SONNA⁠)

2. الوكالة الوطنية للأنباء الصومالية (SONNA)، «Galmudug Votes: JSP Secures Majority in Landmark Direct Elections»، 3 أغسطس 2026. (SONNA⁠)

3. Hiiraan Online، «Towfiq Party welcomes Supreme Court annulment of Galmudug election results»، 24 أغسطس 2026. (Hiiraan⁠)

4. المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود، «Legal Framework» و«Laws»، وتشمل المبادئ القانونية المتعلقة باستقلال المفوضية، وحرية ونزاهة الانتخابات، ومنع التزوير والرشوة والعنف والترهيب، والشفافية والحياد. (NIEBC Somalia⁠)

5. Radio Dalsan، كما أعادت نشره AllAfrica، «Somalia: Supreme Court Annuls Galmudug Election Results»، 24 أغسطس 2026. (allAfrica.com⁠)

6. المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود، «FAQ»، قسم الانتخابات الحرة والعادلة وحقوق الناخبين ومبادئ سرية التصويت والشفافية والحياد. (NIEBC Somalia⁠)

7. جمهورية الصومال الفيدرالية، الدستور المؤقت، المادة 109 وما يتصل باختصاص المحكمة الدستورية في المسائل الدستورية. (BJFS⁠)

8. Horseed Media، «Somalia’s Supreme Court Annuls Galmudug Election Results, Orders Fresh Vote»، 24 أغسطس 2026. (Horseed Media – Somalia News⁠)

9. SONNA، «Galmudug Votes: JSP Secures Majority in Landmark Direct Elections»، 3 أغسطس 2026. (SONNA⁠)

10. Hiiraan Online، المصدر السابق، بشأن ترحيب رئيس حزب توفيق بالحكم والدعوة إلى التعامل السلمي معه. (Hiiraan⁠)

11. المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود، قانون إنشاء المفوضية، ولا سيما الأحكام المتعلقة باستقلال المفوضية ووظائفها في إدارة الانتخابات وتسوية النزاعات الانتخابية مع عدم المساس بدور القضاء. (NIEBC Somalia⁠)

12. وزارة الإعلام والثقافة والسياحة الصومالية، الإحاطة الأسبوعية للحكومة الفيدرالية، 22 مايو 2026، بشأن الانتقال إلى انتخابات «شخص واحد، صوت واحد» وتسجيل الناخبين في مناطق من غلمدغ. (Wasaaradda Warfaafinta, Dhaqanka & Dalxiiska⁠)

13. Caasimada Online وSONNA، بشأن نتائج الانتخابات المحلية وانتخابات مجلس الولاية وتوزيع المقاعد بين الأحزاب. (Caasimada Online⁠)

14. International Development Law Organization (IDLO)، السيرة المهنية للقاضي باشه يوسف أحمد، رئيس المحكمة العليا ورئيس القضاء الفيدرالي الصومالي، وتتضمن عمله السابق مستشارًا قانونيًا في المفوضية الانتخابية في صوماليلاند، إضافة إلى أعمال قانونية وأكاديمية أخرى. (IDLO⁠)

15. Shabelle Media Network وHorseed Media، بشأن قرار المحكمة استمرار المؤسسات القائمة إلى حين إجراء انتخابات جديدة، منعًا للفراغ الإداري وحفاظًا على الخدمات والاستقرار. (Shabelle Media Network⁠)

___________________

ورقة علمية بعنوان: الملابسات والتداعيات القانونية والسياسية لحكم المحكمة العليا الصومالية بإبطال نتائج الانتخابات المحلية والنيابية في غلمدغ 

The circumstances and the legal and political repercussions of the Somali Supreme Court’s ruling to annul the Galmudug election results.

د. عمر الفاروق عبدالعزيز عثمان

كاتب وباحث صومالي

التاريخ: 25 أغسطس 2024م

_______________

فهرس محتويات الورقة العلمية

* مقدمة

* الملابسات القانونية والسياسية للحكم

أولًاالملابسات القانونية للحكم

1. سيادة الدستور والقانون

2. حماية الإرادة الشعبية

3. الاختصاص القضائي وإشكالية المحكمة الدستورية

4. التناسب بين المخالفة والجزاء

ثانيًا: البعد الشرعي للحكم

ثالثًا: الملابسات السياسية للحكم

1. حزب توفيق: من الاعتراض السياسي إلى المسار القضائي

2. المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود

3. الحكومة الفيدرالية الصومالية 

4. حزب العدالة والتضامن: الخاسر الانتخابي المباشر

5. المحكمة العليا: بين حماية الشرعية ومخاطر التسييس

رابعًا: الفرضيات السياسية حول الجهات المؤثرة

1. فرضية التدخل السياسي الداخلي

2. فرضية تأثير الجهاز الأمني وقيادته

3. فرضية المعارضة السياسية

4. فرضية تأثير بعض الولايات الفيدرالية

5. فرضية تأثير صوماليلاند

6. فرضية التدخل الخارجي

7. فرضية وجود خلاف بين الرئاسة ورئاسة المحكمة العليا

خامسًا: التداعيات السياسية والشرعية للحكم

1. إعادة فتح العملية السياسية في غلمدغ

2. إعادة اختبار نموذج «شخص واحد، صوت واحد»

3. أزمة الثقة في الإدارة الانتخابية

4. تداعيات على العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات

5. تعزيز أو إضعاف شرعية الحكومة الفيدرالية

6. تكريس دور القضاء في الحياة السياسية

7. استمرار المؤسسات لمنع الفراغ السياسي

8. احتمال تحول الحكم إلى سابقة وطنية

سادسا: خاتمة 

قائمة الهوامش والمراجع

التعليقات

Written by admin
×