يوليو 30, 2026

مركز اليقين: الخارطة الأمنية الراهنة في الصومال 2026م

مقدمة: يمثل الملف الأمني في الصومال أحد أكثر الملفات تعقيدًا في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتشابك فيه العوامل الداخلية مع المؤثرات الإقليمية والدولية، وتتداخل الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية في إنتاج بيئة أمنية غير مستقرة. فمنذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، ظل الأمن يشكل التحدي الأكبر أمام جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة من تحقيق احتكار كامل لاستخدام القوة أو فرض سيطرتها على كامل الأراضي الوطنية.

وعلى الرغم من الإنجازات الطفيفة التي تحققت خلال السنوات الأخيرة في بناء الجيش والشرطة، واستعادة بعض المناطق من الجماعات المسلحة، فإن المشهد الأمني لا يزال يتسم بدرجة عالية من التعقيد نتيجة استمرار نشاط حركة الشباب، وظهور تنظيم داعش في شمال شرق البلاد، إلى جانب النزاعات العشائرية، والتوترات السياسية بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، فضلاً عن تأثير البيئة الإقليمية المتغيرة.

ومن ثم فإن فهم الخارطة الأمنية في الصومال يتطلب النظر إليها باعتبارها منظومة متداخلة، لا مجرد مواجهة عسكرية بين الدولة والجماعات المسلحة.

أولاً: خارطة التهديدات الأمنية

تواجه الدولة الصومالية طيفًا واسعًا من التهديدات الأمنية، يأتي في مقدمتها التمرد المسلح الذي تقوده حركة الشباب، والتي استطاعت خلال أكثر من خمسة عشر عامًا الحفاظ على قدراتها التنظيمية والعسكرية، رغم العمليات العسكرية المحلية والدولية المتواصلة.

وتعتمد الحركة على نموذج “حرب الاستنزاف”، حيث تتجنب المواجهة التقليدية طويلة الأمد، وتعتمد بدلاً من ذلك على العمليات الخاطفة، والعبوات الناسفة، والاغتيالات، والهجمات الانتحارية، بما يسمح لها بإبقاء الضغط الأمني والسياسي على الحكومة.

وفي المقابل، يمثل تنظيم داعش في جبال ولاية بونتلاند تهديدًا مختلفًا من حيث الحجم والانتشار، إلا أنه يمتلك أهمية استراتيجية بالنظر إلى ارتباطه بالشبكات العابرة للحدود، واعتماده على التضاريس الجبلية الوعرة التي تمنحه قدرة على المناورة.

ولا تقتصر التحديات الأمنية على الجماعات المسلحة، بل تشمل كذلك النزاعات القبلية على الأراضي والموارد، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، والجريمة المنظمة، والتهريب، والهجرة غير النظامية، وهي عوامل تضعف سلطة الدولة وتستنزف مواردها الأمنية.

ثانياً: تعقيدات التمرد المسلح

لا يمكن تفسير استمرار التمرد في الصومال بالعامل العسكري وحده، إذ إن نجاح الجماعات المسلحة في البقاء يرتبط بجملة من العوامل المتداخلة.

فأول هذه العوامل يتمثل في هشاشة مؤسسات الدولة في بعض المناطق الريفية، وضعف الخدمات الحكومية، الأمر الذي يخلق فراغًا تستفيد منه الجماعات المسلحة لتقديم نفسها بوصفها سلطة أمر واقع.

أما العامل الثاني فهو الطبيعة الجغرافية للصومال، إذ توفر المساحات الواسعة والطرق الوعرة بيئة مناسبة لحرب العصابات، بما يجعل السيطرة العسكرية الدائمة على المناطق المحررة أمرًا بالغ الصعوبة.

ويتمثل العامل الثالث في استمرار الخلافات السياسية بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، الأمر الذي يؤثر سلبًا على وحدة القرار الأمني، ويضعف التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية.

كما تستفيد الجماعات المسلحة من شبكات مالية معقدة، تعتمد على الابتزاز والضرائب غير القانونية والتهريب، وهو ما يمنحها قدرة على تمويل عملياتها واستقطاب عناصر جديدة.

ثالثاً: استراتيجيات المواجهة

اتبعت الدولة الصومالية خلال السنوات الأخيرة عدة مسارات لمواجهة التحديات الأمنية.

أول هذه المسارات هو المسار العسكري، من خلال إعادة بناء الجيش الوطني، وتطوير القوات الخاصة، وتنفيذ عمليات هجومية لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعات المسلحة، بدعم من الشركاء الدوليين.

أما المسار الثاني فهو المسار الاستخباراتي، حيث شهدت الأجهزة الأمنية تطورًا ملحوظًا في جمع المعلومات وإحباط عدد من العمليات الإرهابية قبل تنفيذها، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية المختلفة.

ويتمثل المسار الثالث في الاستراتيجية المجتمعية، القائمة على تعبئة المجتمعات المحلية والعشائر للمشاركة في مقاومة الجماعات المسلحة، وهي تجربة حققت نجاحًا في بعض المناطق، لكنها تحتاج إلى إطار مؤسسي يضمن استدامتها.

كما برزت أهمية المواجهة الفكرية، من خلال تعزيز الخطاب الديني الوسطي، ومواجهة الدعاية المتطرفة، وتجفيف منابع التجنيد، خاصة بين الشباب.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجيات يظل مرتبطًا بوجود رؤية سياسية شاملة، لأن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء ظاهرة التمرد.

رابعاً: أثر التحولات الإقليمية

يتأثر الأمن الصومالي بصورة مباشرة بالتحولات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

فالتنافس الإقليمي على النفوذ، والخلافات المرتبطة بالموانئ والممرات البحرية، والتوترات الحدودية بين بعض دول الجوار، كلها عوامل تنعكس على البيئة الأمنية داخل الصومال.

كما أن تغير طبيعة بعثة الاتحاد الإفريقي وانتقالها إلى مرحلة جديدة من الدعم، يضع المؤسسات الأمنية الصومالية أمام تحدي الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية في حفظ الأمن.

وفي الوقت نفسه، تواصل القوى الدولية، مثل الولايات المتحدة وتركيا وشركاء آخرين، تقديم دعم في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والاستخبارات، والضربات الجوية ضد الجماعات المسلحة، وهو دعم يسهم في تعزيز قدرات الدولة، لكنه لا يغني عن بناء منظومة أمنية وطنية مستدامة.

خامساً: التحديات المستقبلية

من المتوقع أن تواجه المنظومة الأمنية الصومالية خلال السنوات المقبلة عدة تحديات رئيسية، أبرزها:

  • استدامة العمليات العسكرية بعد تراجع الاعتماد على القوات الأجنبية.
  • تعزيز التنسيق الأمني بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
  • إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية وفق معايير مهنية.
  • مكافحة مصادر تمويل الجماعات المسلحة.
  • دمج الأمن مع برامج التنمية والخدمات العامة.
  • بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.

إن نجاح الدولة في مواجهة هذه التحديات سيحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في البلاد.

خاتمة: تكشف الخارطة الأمنية في الصومال أن الأزمة لم تعد مجرد صراع بين الدولة والتنظيمات المسلحة، بل أصبحت نتاجًا لتفاعل عوامل سياسية ومؤسسية واقتصادية وإقليمية متشابكة. ولذلك فإن أي مقاربة تقتصر على البعد العسكري ستظل محدودة الأثر، ما لم تُستكمل بإصلاحات سياسية، وتعزيز الحكم الرشيد، وبناء مؤسسات أمنية وطنية محترفة، وتوسيع نطاق التنمية والخدمات في المناطق المحررة.

إن مستقبل الأمن في الصومال سيعتمد على قدرة الدولة على تحويل النجاحات العسكرية إلى مكاسب سياسية ومؤسسية دائمة، وعلى بناء شراكة حقيقية بين الحكومة الفيدرالية والولايات والمجتمعات المحلية، بما يرسخ احتكار الدولة لاستخدام القوة ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية. وفي ضوء التحولات الإقليمية المتسارعة، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني استراتيجية أمن قومي شاملة تجمع بين الردع العسكري، والإصلاح المؤسسي، والتوافق السياسي، والتعاون الإقليمي، بما يضمن معالجة جذور الأزمة وليس مظاهرها فقط. 

_______
مركز اليقين/ الخارطة الأمنية الراهنة في الصومال 2026م

التاريخ: 30 يوليو 2026م

التعليقات

Written by admin
×